-->

قَصْرُ الشَلاَّلَةِ...{شلالة بن حمدان }....مَدْرَسَةُ الْوَطنِيَّةِ والتَّارِيخِ وَخَيْمَةُ الإبداع.!!


 
بقلم : محمد الصغير داسه 
تعتزم زيارة قصر الشلالة لابد أن تسلك الطريق الوطني رقم 40 ومنه تتجه صوب المدينة عبر طريق فرعي ولائي لتمر على الوادي الطويل فتترآى لك المدينة وهي ترقد على منحدر جبل ابن حمدان الشاهق وتمدُّ رجليها كأنها قلعة حصينة، صدرها فسيح يرتاح على عُنق مُتشاوف يملأ حيزًا يتيحُ للبصر مساحات التجْوال، ولابدّ أن تردِّد قول الشاعر { والشلالة تبانلي عودة بيضاء.* وبني حمدان قطعات أسحاب...}
1- و تتناثر الذكريات أطيافا: الباحث في عمق التاريخ وأدغاله، والمتجوِّل في براريه ومعالمه، حتمًا سينتهي إلى مساءلة الكلمات ودحْرجتها لتفصح عن أسرار تختفي في المُدن كرماد الصقيع، ثم تظهر كطائر الفنيق، قصر الشلالة المدينة ذات الأصالة والعمق، تنشر أرديَّتها على السهوب، وتفرد أحضانها لضيوفها، وتفرش لهم الزرابي المبثوثة كالعهن المنفوش وعيونها لاتفارقهم حتى وإن رحلوا، تذكرت رجالها وعلماءها وأعيانها، وأنا أرحل مع قوافل الحالمين في رحلة إلى معالمها، ألملم شعث أفكاري وذكرياتي الطافحة على سطح الخيال، وأنا أمتطي راحلتي مطلع الفجر، والرحلة لها تداعيات وظروف تكتنفها، ولأنك وأنت تسافر حتمًا ستعود بك الذكريات إلى الماضي وتتذكر، فما إن تحركت السيارة حتى قفزت من الذاكرة صوَّرٌ من الماضي مِلحَاحَةٌ تغشاني بمشاهدها وهي تتناثر أطيافا مع رياح هبَّت الصبح باردة، هدير السيَّارة يرتفعُ، وأنا أرتدي ضوءَ الشمس بين ضبابَ الأفق ولقاء الغياب المرتقب، الطريق تبتلع السيارت، غَبَشُ الفجر يُجاهدُ كي يلقي بنثاره على الطرقات ثمالة نور الحياة، لم يمر وقت طويل حتى طويت المسافة طيًا، رغم طول الذكريات الغاطسة في الحنان، استفقتُ على أنين صوت بين ضلوعي أتنفسه، صوت غامض مبلل بالماء والملح يناديني، استفق من غفوتي ..! هي ذي الشلالة، انتزَعَتُ من فضاءاتي ابتسامة ناعمة، إني اقترب من المدينة مركز، ملامح الشلالة القديمة باقية، ماتزال مرتسمة في الذاكرة، حتى وان عصفت رياح الأيام بأجمل ماكان فيها، وتبقى في جوف الكلمات أسرار تريد أن لاتخرج إلى السطح، أدخل المدينة وأنا بين شوق وانبهار، حروف الكلمات تتهامس كنقر المطر على الرصيف، القلب مُعلق على الجدران،الأقدام تأخذني وتعيدُني، آثرت أن أمشي، سألت عن المسجد القديم بعد أن وقفتُ هنيهات عند مدرسة طرشون التي جمعتنا في ستينات القرن الماضي، وكنتُ يومها مستشارًا تربويا أزور المدارس وأقوم بالتكوين الميداني لفئة المعلمين الجدد وأساعدهم على تجاوز صعوبات التدريس، في برهة هاربة من العمر تذكرتُ صناع الأجيال الذي احترقوا من أجل مدرسة أوقدت مصابيحها، لتضيء بقباسات نورها أعطاف الطريق، سي لحسن دريوش، سي منصور،النائب الأديب سي يحي ادريوش، قدور شرقي، تقار، المحي، بوجمعة، زيتوني، حدبي، يحياتن، سفيان والقائمة طويلة، أخذاري, {سي لخضر لبقع سيد التربية *مفتش الدائرة ربي يحميه }هي كثيرة الذكريات، وأنا لست في وضع أبوح فيه بأسراري، فهذه منازل اختفت وأخرى علت، تبكيك الديَّار التي لم يعد فيها من تعرفهم، ويرتحل الرفاق سربا من اليمام، وعهد الصحب في العلياء ولى وياأسفاه.! ولايسعني إلا أن أرفع صوتي مترنما برائعة الشاعر عيسى بن علال الشلالي: قَلْبِي تفَكَّر عُرْبَانْ رَحَّالَة ** تَارِيخ إفْرِيقْيَا الشَّمَالِي كَيْفَاهْ كَانُوا قُومَانْ خَيَّالَه ** حَسْرَاهْ قٌدَّاشْ أزْهَيْتْ بِأبْطَالِي اعْرَاشْ وَالدَّائرَة الشَلاَلَة ** وَانْجُوعْ وَارْحَبْ وازْرَايِبْ أمْوَالِ.


2- التسمية والإنشاء: وأنت تعتزم زيارة قصر الشلالة لابد أن تسلك الطريق الوطني رقم 40 ومنه تتجه صوب المدينة عبر طريق فرعي ولائي لتمر على الوادي الطويل فتترآى لك المدينة وهي ترقد على منحدر جبل ابن حمدان الشاهق وتمدُّ رجليها كأنها قلعة حصينة، صدرها فسيح يرتاح على عُنق مُتشاوف يملأ حيزًا يتيحُ للبصر مساحات التجْوال، ولابدّ أن تردِّد قول الشاعر { والشلالة تبانلي عودة بيضاء.* وبني حمدان قطعات أسحاب...} هي ذي الشلالة الشموخ والجمال والوداعة والتاريخ، مدينة تتباهى بجمالها ولطافة سكانها، وأهميَّة موقعها، وكرم أهلها، وتفخر بماضيها التليد، كانت المدينة محطة استراحة للرحل والمسافرين، وسُوقا مشهودا للقوافل القادمة من الصحراء المتوجهة إلى التل وهي لاتزال، ولذلك فإنها عرفت بحركة تجارية نشطة، يضاف إلى ذلك أنها تتميز بأراضيها الخصبة وبالزراعة وتربية المواشي، وهي كثيرة الماء واسعة المراعي، يعودُ تاريخ تأسيسها إلى العهد الروماني، وتلك آثارهم ماتزال شاهدة على وجودهم، ومنها الساعة الموجودة بمنطقة الوزقارية، والقلعة الرابضة هناك والتي لم تكتشف أسرارها إلى اليوم بالرغم من أنها تضم كنوزًا نائمة تحت الأطلال، وتقع على ربوة صخرية من الجبل يُقال أن الرومان هم الذين تولوا أمر بنائها لتكون مُنعزلة ومُشرفة على السُّهوب وتتابع رحلات القوافل التجارية في غدوها ورواحها، نحو الشمال والجنوب، ويقف المرء مُندَهشا مبْهورًا بهذه القلعة وموقعها، والينبوع الذي تندلقُ مياهه العذبة من أعلى الجبل، فالقلعة القصر واحدة من الصفحات المنسية من تاريخ الشلالة كما ألمعنا ولا تحظى بالعناية والاهتمام، بل هم في حل من إلحاح الأسئلة والتفتيش على ماتخفيه في جوفها من أسرار، واسم قصر الشلالة يعودُ حسب الروايات إلى هذا الشلال الذي نضب وذلك القصر المنيف الذي تحوَّل إلى أطلال، كانت قوافل الرحل تمر من هنا، وتتوقف عند شلال الماء الذي يوجد منبعه في أعالي الجبل، والى القصر الذي كان هناك والذي يعرف اليوم بالقلعة، وعندما يسألون من أين أتيتم ؟وأين كنتم؟ يجيبون بأنهم كانوا في قصر الشلال، ومن ذلك اليوم سميت بقصر الشلالة، وفي عهد الاحتلال الفرنسي سميت{ reibelle} ريبال على اسم جينيرال فرنسي وبعد الاستقلال عاد لها اسمها القديم قصر الشلالة، والشلالة كانت ممرًا للجيوش والفتوحات الإسلامية، يقال أن عقبة بن نافع رضي الله عنه قد نزل بهذا الشلال، وشرب مع جنده من النبع الصافي الزلال، ودعا لأهلها بالخير والبركات، ويقال أن قوافل الفاتحين مرت من هنا وتوالت رحلاتهم.

4- مدرسة الوطنية والتاريخ: هنا عاش الأمير عبد القادر ثلاث سنوات، احتضنته الشلالة بأهله وجُنده وآوته ونصرته وتبنى أعراشها مشروعه الجهادي، ومنذ ذلك التاريخ صارت كلمة الجهاد في قاموس المنطقية حقيقة ثابتة، محفورة في الذاكرة، ترنُّ في آذان من عايشوا جهاد الأمير، وتروي المجالس خصال الرجل وشجاعته واستماتته وحبه للدين والوطن، وكان محبا للبادية ،محبا لسكانها وقال قصيدته الرائعة. لوكنت تعلم مافي البدو تعذرني ** لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر الحسن يظهر في بيتين رونقه ** بيت من الشعر أو بيت من الشعر. كيفا لا وهو الذي دشن فعل المقاومة ورسَّخ ثقافة الجهاد في الأذهان ضد الدُّخلاء الكفار، ولذلك فإن الحركة الوطنية سعت سعيه وتولى أمر تأطيرها مصالي الحاج في المكان ذاته، فكانت الشلالة بحق بيتا للمقاومة ومدرسة للوطنيَّة والتكوين السيَّاسي المتألق نجمه يومئذ، قصدها الأحرار من جميع أرجاء الوطن، و مصالي الحاج كان هو المعلم الذي غذَّي فكر المناضلين بروح الوطنية وهيَّأهم لذلك. وإن المثقف الضليع في فنَّ السياسة له قدرة على استقطاب الجماهير، لأنه أكثر الناس اختلاطا بالناس يُخاطبهم بلغة سهلة تصل إليهم ويكوِّن في أذهانهم قناعة ووعيا بأفكاره المضيئة، وانقيادًا لتوجيهاته، مصالي الحاج من هذه الطينة هو الذي هيَّأ المناضلين لرفع راية الجزائر خفاقة وطالب بالحقوق ثم دعا إلى المُقاومة واسترجاع السيَّادة الوطنية،وكانت حرب التحرير بداية لكسر شوكة الاستدمار والذي ولى إلى غير رجعة؛ وللشلالة زعماء أشاوس أضاءوا درب الوطنية، وصنعوا الوعي السيَّاسي وكانوا دعاة للثورة رعاة خدَّاما أوفياء للوطن، منهم المجاهد سعد دحلاب عليه الرحمة والرضوان والذي كان مفاوضا ماهرا في {أيفيان}وبوديسة وآخرون..

05- الخلاصة : قال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي : {البلد الذي لايؤنَّث لايعوَّل عليه } والشلالة خدمت التاريخ ويعوَّل عليها مستقبلا وهي تزخر بالمواهب الأصيلة وفي شتى مجالات الإبداع من صناعات تقليدية، وشعر أصيل وقصة وفطاحله في السياسة والنضال، وتاريخ يشي بالوطنية التي تجمَّعت غدرانها في روافد كثيرة تخالها ينابيع تصب في نهر واصل، الشلالة قصصٌ كتبت بأحرف من نور، ورشقة عطر خجولة، في كل قصة حكاية وفي كل حكاية باقة من المشاعر والحنين والعشق، نسِجَت برياحين حُروف نقاطها فتحدَّبت تحت قامة سامقة، تترشف من كل زهرة رشفة من مراشف الجمال والوطنية وشعاع الأمل، شلال لاينبض ولا يكف على العطاء والوفاء. كان الله في العون

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: